الإله الّذي آمن به رامبرنت

.. لوحة عالميّة للفنّان الهولنديّ رامبرانت اسمها الابن الضال. وهي تُجاري، إن لم نقل تفوق، الأيقونة في معانيها اللاهوتيّة العميقة.
اللوحة مرسومة في القرن السابع عشر، لحساب الملكة كاترين العظيمة، وهي موجودة في دير سان بطرسبرغ بروسيا.
اللوحة تروي قصّةً رواها السيّد المسيح لتلاميذه ليشرح لهم كيف يتعامل الله مع الخاطئين: إبن أخذ مال أبيه وصرفه على ملذّاته الشخصيّة. وحيد نفد المال عانى الفقر الشديد والجوع، فعاد إلى أبيه تائبًا، فاستقبله أبوه فرحًا بدون عقابٍ ولا لومٍ ولا تأنيب. 
فغضب الأخ الأكبر لحفاوة استقبال الأب لابنه التائب، ولكنّ الأب أصرّ على موقفه ودعا أخاه إلى أن يميل إلى الرحمة بدل أن يميل إلى الإدانة.
اللوحة تصوّر لحظة لقاء الأب بابنه الضال العائد إلى بيت الأسرة. وقد حرص رامبرانت على أن يلقي الضوء على مشهدَين: ضوء شديد واسع على لقاء الأب بابنه، وضوء أضيق وأخف على الابن الأكبر، وكأنّ الإنارة الثانية متولّدة من الضوء الأوّل.
الأب
يبدو الأب شيخًا عجوزًا، وعيناه توحيان بأنّه شبه أعمى. إنّه رمز لله: منذ الأزل وإلى الأبد، لا يهمّه أن ينظر إلى أخطائنا بقدر ما يهمّه النظر إلى توبتنا. فإله رامبرانت لا يريد أن يدين الإنسان بل أن يخلّصه. وهو لا ينظر إلى عيوبنا بل إلى حسناتنا.
يلبس الأب معطفًا أحمر علامة الوجاهة وحرارة المحبّة التي في الله. ويضمّ ابنه إلى أحشائه، مركز المشاعر والأحاسيس. إنّه لا يعانقه على مستوى الصدر أو الرأس كما في لوحاتٍ أخرى، بل على مستوى الأحشاء، مكان الرحم عند المرأة. فإله رامبرانت إله رحمة. وتوبة الخاطئ ولادة لحياة جديدة.
اليدان
إنّ ما قلناه عن الأحشاء والرحم ليس مبالغة. فإله رامبرانت يجمع في شخصه أجمل ما في الرجل والمرأة. وقد عبّر عن ذلك باليدين: اليد اليسرى خشنة واليمنى ناعمة. اليسرى تقبض على الكتف واليمنى تربّت على الظهر. اليسرى يد رجل واليمنى يد امرأة.
شدّة ولين، حزم ورأفة، ثبات وحنان. ففي نظر رامبرانت، خلق الله الإنسان على صورته، رجل وامرأة خلقهما. ولذلك فإنّ في الله رجولة وأنوثة بأسمى ما في هاتين الكلمتَين من معاني.
الابن الضال
يلبس الابن الضالّ أثمالاً وينتعل حذاءً مهترئًا يعبّران عن حالة البؤس التي عاشها بعيدًا عن أبيه. يبدو رأسه أجرب حليق مثل السجناء، وهو ينام على أحشاء أبيه. إنّه يجسّد بطريقةٍ رائعة مقولة القدّيس أوغسطينُس: «خلقتنا لك يا رب، وقلبنا لن يرتاح إلاّ فيك». 
وعلى الرغم من الشقاء، تبدو على الابن الراحة. ففي حضن الله الآب لا عذاب ولا ألم ولا تنهّد، بل حياة وفرح.
حذاء الابن يعبّر عن أنّه سار مسافةً طويلة ليعود إلى حضن الآب، مسيرة شاقّة، فالحذاء مهترئ، حذاء بائس بسبب خطيئته، ولكنّه يحمل على جنبه الأيمن خنجرًا، شارة النبلاء
إنّه ابن نبيل. ففي نظر رامبرانت، مهما بلغ شرّ الإنسان يظلّ فيه كرامة ينبغي احترامها حتّى وإن هدرها هو. فهذه الكرامة من الله. مهما فعل الإنسان، يظلّ ابن الله. ففي قصّة السيّد المسيح، تذكّر الابن أنّه ابن أبِ نبيل، تذكّر كرامته التي نالها بالبنوّة وفقدها بالابتعاد، فقرّر العودة تائبًا.
الابن الأكبر
يمثّل الابن الأكبر في نظر رامبرانت الشخص المتديّن الذي يميل إلى إدانة الخاطئ ومعاقبته بدل رحمته ومسامحته. الابن الأكبر يقف على مسافةٍ من المشهد، وكأنّه لا يريد المشاركة بفعل الرحمة. إنّه على حافّة النور الذي يحيط الآب والابن الأصغر، ومع ذلك مسّه النور. يلبس ثيابًا فاخرة، ونظرته تشي رفضه مجاراة أبيه في غفرانه. فيبقى متفرّجًا، ويضمّ يديه على أحشائه وكأنّه يريد أن يمنع الرحمة والشفقة عن التدفّق منه. ومع ذلك، يحافظ على احترامه لأبيه.
يقول هنري نيومان، أشهر معلّقٍ روحيّ على هذه اللوحة: «لا يهم أن تكون الابن الأصغر أو الأكبر. المهم أن تتمتّع بنظرة الأب، وتعرف ما الذي أنت مدعوّ إلى فعله».
إله رامبرانت إله رحمن رحيم، لا إله إدانةٍ وعقاب. إله لا يدعونا إلى نَيل رحمته وحسب، بل إلى أن نرحم نحن أيضًا. لذلك يعلن المسيح: «هنيئًا للرحماء فإنّهم يُرحَمون»


الأب سامي حلّاق اليسوعيّ