الفن البيزنطي

الفن البيزنطي هو مصطلح يشيع استخدامه لوصف النتاج الفني من الامبراطورية البيزنطية من نحو القرن الرابع حتى سقوط القسطنطينية في 1453. 
الانتقال من الوثنية 
كانت أعظم مآثر الحضارة البيزنطية هي الإدارة الحكومية وفن الزخرفة .
فقد أقاموا دولة دامت أحد عشر قرناً من الزمان، وأنشئوا أياصوفيا القائمة في هذه الأيام. وكان الفن الوثني قد لفظ أنفاسه الأخيرة قبيل عهد جستنيان، وكان نصف ما خلفه من الآثار قد شُوَه أو هدم.
فقد بدأ تخريب البرابرة، وانتهاء الأباطرة، وتدمير الأتقياء ورجال الدين، بدأ عمل هؤلاء وهؤلاء عهداً من الإتلاف المتعمد والإهمال دام حتى قام بترارك في القرن الرابع عشر يدافع عما بقى منه في أيامه. وكان من العوامل التي زادت أعمال التخريب اعتقاد الجماهير أن الآلهة الوثنية شياطين، وأن الهياكل مأواها.
وأياً كانت عقيدة ذلك الوقت فقد كانوا يشعرون أن مواد هذه الآثار الفنية يمكن أن ينتفع بها على خير وجه في تشييد الكنائس المسيحية أو أسوار المنازل، وكثيراً ما كان الوثنيون أنفسهم يشاركون المسيحيين في أعمال التدمير.
وقد بذل بعض الأباطرة، وخاصة هونوريوس وثيودوسيوس الثاني، كل ما في وسعهم لحماية المنشئات القديمة ، وأبقى المستنيرون من رجال الدين على البارثنون، وهيكلثسيوس، والبارثينون، وغيرها من الصروح بأن أعادوا تدشينها بوصفها أضرحة مسيحية. 
وكانت المسيحية في بادئ الأمر ترتاب في الفن وتراه عماداً للوثنية، وعبادة الأصنام، وفساد الأخلاق، وترى أن هذه التماثيل العارية لا تتفق مع ما يجب أن تحاط به البكورة والعزوبة من إجلال. ولما خيل إلى الناس أن الجسم أداة الشيطان، وأصبح الراهب مثل الرجولة الأعلى بدل الرجل الرياضي،اختفت من الفن دراسة التشريح، ولم يبق في فني النحت والتصوير إلا وجوه كئيبة وثياب لا شكل لها. 
فلما انتصرت المسيحية على الوثنية واحتاجت إلى صروح ضخمة تأوي عبادها المتزايدين، أخذت تقاليد الفن المحلية والقومية تثبت وجودها مرة أخرى، وارتفع فن البناء فوق الأنقاض. يضاف إلى هذا أن تلك الصروح الرحبة كانت تلح في طلب الزخرفة والزينة، وكان العابدون في حاجة إلى تماثيل للمسيح ومريم يقوى بها خيالهم، وإلى صور تحدث السذج الأميين....... وهكذا ولدت فنون النحت والفسيفساء والتصوير من جديد. 
ولم يكن الفن الجديد في روما إلا اختلافاً قليلاً عن الفن القديم. فقد انتقلت من الوثني إلى المسيحية متانة البناء، وبساطة الشكل، وطرز الباسلقا المعمدة.
ومثال ذلك أن مهندسي قسطنطين خططوا كنيسة القديس بطرس الأولى بالقرب من ساحة الألعاب الحيوانية التي أنشأها نيرون على تل الفاتيكان، وجعلوا طولها380 قدماً وعضها 212. وقد ظلت هذه الكنيسة مدى اثني عشر قرناً أعظم كنائس المسيحية اللاتينية حتى هدمها برامنتي ليقيم في مكانها كنيسة أكبر منها هي كنيسة القديس بطرس الحالية. وأعاد فلنتيان الثاني وثيودوسيوس الأول بناء الكنيسة التي أقامها قسطنطين "للقديس بولس خارج الأسوار San Paolo fuori le mura " في المكان الذي قيل إن الرسول استشهد فيه.
وهذه الكنيسة أقل أتساعاً من كنيسة القديس بطرس، فقد كان طولها أربعمائة قدم وعرضها مائتين . 
ولا تزال كنيسة القديس قنسطنزا Santa Constanza التي أقامها قسطنطين ضريحاً لأخته قنسطنطيا في معظم أجزائها بالصورة التي كانت عليها وقت بنائها في 326-330، وأعيد بناء كنائس سان جيوفني San Geovanni في لترانا Latrana وسانتا ماريا في ثرستفيري Trastevre "وسان لورنزو خارج الأسوار" في خلال قرن بعد أن بدأها قسطنطين، وأعيد بناؤها مراراً كثيرة من ذلك الحين. وأنشئت كنيسة سانتا ماريا مجيوري Santa Maria Maggiore في عام 432 على غرار أحد الهياكل الوثنية. ولا يزال صحنها في جوهره كما كان منذ إنشائها إذا استثنينا ما حلى به من النقوش في أيام النهضة. 
ولا يزال طراز الباسلقا ( البازيلكا )  من ذلك الوقت حيى الآن الطراز المحبب في الكنائس المسيحية؛ ذلك بأن اعتدال نفقاته وجلال بساطته، وتناسق بنائه، وعظيم متانته قد جعلته محبباً إلى الناس في جميع الأجيال. وتناسق لم يتقبل في يسر إدخاله عليه من التطور والتغيير، ولهذا بدأ البناءون الأوربيون يتلفتون حولهم ليبحثوا عن آراء هندسية جديدة حتى وجدوها في بلاد الشرق، بل وجدوها أيضاً في اسبالاتو Spalato المركز الأدرباوي الأمامي لبلاد الشرق.
ففي هذا المكان القائم على ساحل دلماشيا أطلق دقلديانوس كامل الحرية لفنانيه، وعهد إليهم أن يجربوا كافة الوسائل التي تمكنهم من أن يقيموا له قصراً يلجأ إليه إذا أراد الاستجمام من عناء الحكم؛ وفيه أحدث أولئك الفنانون انقلاباً كبيراً في العمارة الأوربية. ففيه كانت الأقواس ترفع مباشرة من تيجان الأعمدة، وليس بينها وبين تلك التيجان عوارض؛ وهكذا مهدت السبيل بخطوة إلى الطرز البيزنطية، والرومانية، والقوطية. وفي هذا القصر أيضاً استبدلت بالأفاريز ذات الصور والتماثيل زخرفة عجيبة من الخطوط المتعرجة، التي تنفر منها عيون الأقدمين والتي ألفها الشرق من زمن بعيد. وبذلك كانت اسبلاتو هي النذير الأول بأن أوربا لم يغلبها على أمرها دين شرقي فحسب، بل سيغلبها كذلك فن شرقي إن لم يكن في جميع أنحائها ففي العالم البيزنطي على الأقل. 
الفنانون البيزنطيون 
نرى من أين جاء إلى القسطنطينية ذلك الفن ذو اللون الفذ، البراق المقبض الذي نسميه الفن البيزنطي؟ ذلك السؤال ثار فيه الجدل بين علماء الآثار بقوة لا تكاد تنقص عن قوة الجنود المسيحيين في حروبهم، وكان النصر النهائي في هذه المعركة الكبرى لبلاد الشرق.
وتفصيل ذلك أنه حين قويت سوريا وآسية الصغرى بفضل ما حدث فيهما من تقدم صناعي، وحين ضعفت روما بسبب الغزو الأجنبي، ارتد التيار الهلنستي الذي اندفع نحو الشرق إثر فتوح الإسكندر من آسية إلى أوربا، وتلاقت في بيزنطية مؤثرات الفن الشرقي المنصبة من فارس الساسانية، وسوريا النسطورية، ومصر القبطيةـ ووصلت هذه المؤثرات إلى إيطاليا، بل تعدتها إلى غالة، وتخلى الفن اليوناني الممثل للطبيعة عن مكانه إلى الفن الشرقي ذو الزخارف الرمزية.
وكان الشرق يفضل الألوان عن الخطوط والأقواس والقباب عن السقف الخشبي. والزينة الكثيرة عن البساطة الصارمة، والأثواب الحريرية الفخمة عن الجبة التي لا شكل لها. وكما أن دقلديانوس وقسطنطين قد اتخذا في نظم الحكم أشكال الملكية الفارسية، فكذلك شرع فن القسطنطينية يغض النظر شيئاً فشيئاً عن الغرب الذي ألقى الآن بنفسه في أحضان البربرية، وأخذ يرنو ببصره إلى آسية الصغرى وأرمينية، وفارس، وسوريا، ومصر.
ولعل انتصار جيوش الفرس في عهد شابور الثاني وكسرى أنوشروان قد عجل خطوات البواعث والأساليب الشرقية. وكانت الرها ونصيبين في ذلك الوقت مركزين مزدهرين من مراكز ثقافة ما بين النهرين، وهي الثقافة التي مزجت العناصر الإيرانية، والأرمنية، والكبدوكية والسورية ، ونقلها التجار، والرهبان، والفنانون إلى إنطاكية، والإسكندرية، وإفسوس، والقسطنطينية، ثم نقلوها أخيراً إلى رافنا وروما، فكادت النظم اليونانية والرومانية القديمة تفقد قيمتها في هذا العالم المعماري الجديد، عالم العقود والأقواس، والقباب. 
ولما اتخذ الفن البيزنطي هذه الصورة الجديدة عمل على نشر العقائد المسيحية وإظهار مجد الدولة. فأخذ يقص على الثياب والقماش المزركش، وفي نقوش الفسيفساء ورسوم الجدران، حياة المسيح وأحزان مريم، وأعمال الرسل والشهداء الذين تضم الكنائس عظامهم؛ أو دخل بلاط الأباطرة، وزين قصر الإمبراطور، وغطى ملابس الموظفين بصورة رمزية أو رسوم تاريخية وخطف أبصار رعاياه بالملابس الزاهية الكثيرة الألوان، وانتهى أمره بأن صورة المسيح ومريم في صورتي إمبراطور وملكة.
ذلك أن الفن البيزنطي لم يكن له كثير من المؤيدين يختار من بينهم من يناصره، ولهذا لم يكن له مجال واسع يختار منه موضوعاته وطرازه، فكان الإمبراطور أو البطرق هو الذي يحدد له ما يعمل ويبين له طريق العمل، وكان الفنانون يعملون جماعات، ولهذا قلما يذكر التاريخ أسماء فنانين أفراداً، ولكنهم أتوا بالمعجزات في بهاء الألوان؛ وكان الفنان يرفع من شأن الناس أو يحط من قدرهم بمستحدثاته الرائعة؛ ولكن هذه المنزلة اقتضته استمساكاً بالأشكال والأنماط المتبعة، وضيقاً في المجال، وجموداً في خدمة ملك مطلق التصرف ودين لا يقبل التغيير. 
وكان تحت تصرفه مواد كثيرة يستخدمها في عمله، كانت لديه محاجر الرخام في بروكنسوس Procnnesus، وأتكا، وإيطاليا؛ وكانت لديه عمد وتيجان ينتهبها من كل هيكل وثني قائم، وكان لديه الآجر يكاد ينمو كالنبات في الأرض التي تجففها الشمس. وكان أكثر ما يعمل فيه الآجر المثبت بالملاط؛ ذلك أنه كان يسهل استخدامه في الأشكال المنحنية التي فرضتها عليه الأنماط الشرقية. وكثيراً ما كان يقنع بالشكل الصليبي - شكل الباسلقا ذات الجناحين التي تستطيع حتى تنتهي بقباء. 
وكان في بعض الأحيان يقطع الباسلقا فيجعلها مثمنة الجوانب كما فعل في كنيستي القديسين سرجيوس وباخوس في القسطنطينية، أو في كنيسة فينالي في رافانا. 
ولكن الطراز الذي برع فيه وبز فيه جميع الفنانين الذين سبقوه أو جاءوا بعده هو القبة المستديرة المقامة على هيكل كثير الأضلاع. وكانت الطريقة التي اتبعها للوصول إلى هذه الغاية هي إنشاء قوس أو نصف دائرة من الآجر فوق كل ضلع من أضلاع السطح المتعدد الزوايا والأضلاع، ثم إقامة مثلث دائري من الآجر متجه إلى أعلى وإلى الداخل بين كل نصف دائرة، ثم بناء قبة فوق الحلقة المستديرة الناشئة من هذا كله. وكانت المثلثات الدائرية تبدو متدلية من حافة القبة إلى قمة المضلع، وبهذا ربعت الدائرة من الوجهة المعمارية، وبعد هذا كاد طراز الباسلقا أن يختفي من الشرق. 
وقد أفاء البَنّاء البيزنطي على هذا البناء من الداخل ما أسعفته به عشرات الفنون المختلفة. وقلما كان يستخدم التماثيل لهذا الغرض، ذلك أنه لم يكن يريد أن يصور رجالاً ونساء،بل كان يعمل لخلق جمال مجرد من الصور الرمزية.
ولكن المثالين البيزنطيين كانوا رغم هذا القيد عمالاً يمتازون بالكفاية والصبر وسعة الحيلة. وقد نحتوا التاج "الثيودوسي" للعمد بأن جمعوا بين "آذان" النمط الأيوني، وأوراق النمط الكورنثي؛ وكأنهم أرادوا أن يجعلوا هذه الوفرة من الطرز أشمل وأعم، فحفروا على هذا التاج المركب أجمة من النبات والحيوان.
وإذ كانت نتيجة هذا لا تتناسب مع الجدران أو الأقواس فقد وضعوا بينها وبين التاج عصابة مربعة وعريضة من أعلاها، ومستطيلة وضيقة نوعاً عند قاعدتها، ثم حفروا على توالي الأيام أزهاراً على هذه العصابات نفسها. وهنا أيضاً كانت الغلبة للفرس غلى اليونان، كما للأولين في مربع القمة. ثم طلب إلى المصورين أن يزينوا الجدران بصور نثبت عقيدة الناس أو ترهبهم؛ ووضع عمال الفسيفساء مكعباتهم المتخذة من الحجر أو الزجاج الملون البراق فوق أرضية زرقاء أو ذهبية، وزينت الأرض والجدران، أو مذابح الكنائس، أو ما بين العقود، أو أي جزء من البناء لا تطيق عين الشرقي أن تراه خالياً من الزخرف.
وكان الصناع يزينون الملابس، والمذابح، والعمد، والجدران بالجواهر والأحجار الكريمة؛ وصناع المعادن يضعون فيها صفائح الذهب والفضة؛ وصناع الخشب ينقشون المنابر وأسوار المحاريب، والنساجون يعلقون الأنسجة المزخرفة على الجدران ويفرشون الأرض بالطنافس، ويغطون المذابح والمنابر بالأقمشة المطرزة وبالحرير. ولم يذكر التاريخ قبل ذلك العهد فناً أوتي ما أوتيه الفن البيزنطي من وفرة الألوان، ودقة الرموز، وغزاة الزينة؛ وقدرة على تهدئة الذهن وتنبيه الروح. 
أيا صوفيا 
ولم تكن العناصر اليونانية والرومانية، والشرقية، والمسيحية قد أتمت امتزاجها ليكون منها الفن البيزنطي قبل عهد جستنيان. فلقد أتاحت له فتنة نيقا Nika، كما أتاح حريق روما لنيرون من قبل، فرصة بناء عاصمته من جديد. ذلك أن الغوغاء في لحظة من لحظات نشوة الحرية أحرقوا دار مجلس الشيوخ، وحمامات زيوكسبوس Zeuxippus وأروقة الأوغسطيوم، وجناحا من أجنحة القصر الإمبراطوري، وأياصوفيا كنيسة البطريق الكبرى، وكان في وسع جستنيان أن يعي بناء هذه كلها حسب تخطيطها القديم فلا يتطلب هذا منه أكثر من عام أو عامين. لكنه لم يفعل هذا وصمم على أن في بنائها مزيداً من الوقت والمال وأن يستخدم في هذا البناء عدداً كبيراً من الرجال، وأن يجعل عاصمة ملكه أجمل من روما، وأن يقيم فيها كنيسة لا يدانيها صرح آخر في العالم كله. وكانت بداية عمله أن وضع في ذلك الوقت منهجاً للأبنية أوسع وأعظم من أي منهج آخر وضع لها في التاريخ.
وكان هذا المنهج يَشمل حصوناً، وقصوراً وأديرة، وكنائس، وأروقة معمدة، وأبواباً أقيمت في جميع أنحاء الإمبراطورية. ففي القسطنطينية أعاد بناء مجلس الشيوخ من الرخام الأبيض، وشاد حمامات زيوكسبوس من الرخام المتعدد الألوان، وبنى رواقاً معمداً من الرخام، ومتنزهاً في الأوغسطيوم، ونقل الماء العذب إلى المدينة في قناة مبنية جديدة تضارع أحسن ما وجد من القنوات في إيطاليا. أما قصره فلم يكن يعلو عليه قصر آخر في البهاء والترف. فقد كانت أرضه وجدرانه من الرخام، وسُقُفه تقض بالفسيفساء البراقة ما ناله من النصر في أيام حكمه، وتصور الشيوخ في حفلاتهم يقدمون للإمبراطور مظاهر الإجلال والتعظيم التي "لا تكاد تقل عما يقدم منه لله"، وبني على الجانب الآخر من البسفور، بالقرب من خلقيدون مسكناً صيفياً لثيودورا وحاشيتها هو قصر هريون الذي كان له مرفؤه، وسوقه، وكنيسته وحماماته الخاصة به. 
وبعد أربعين يوماً من خمود نار الفتنة نيقا بدأ يبني كنيسة أياصوفيا الجديدة. ولم يقمها إلى قديسة تحمل ذلك الاسم، بل أقامها إلى المقدسة صوفيا Hagia Sophia أو الحكمة المقدسة، أو العقل الخلاق، أو إلى الله نفسه.
وأستدعى لهذا الغرض من ترالبس في آسية الصغرى، ومن ميليتس الأيونية، أنثميوس وأزدور أعظم المهندسين الأحياء، ليضعا رسوم البناء ويشرفا على تشييده. ولم يتبع المهندسان شكل الباسلقا التي جرت عليه التقاليد، بل وضعا للبناء تصميماً تكون صرته قبة واسعة لا ترتكز على جدران بل على أكتاف ضخمة، وتسندها نصفا قبتين من كلا الجانبين. واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320.000 رطل من الذهب (134.000.000 دولار أمريكي) وهو كل ما كان في خزانة الدولة، وأمر حكام الولايات بأن يبعثوا إلى الكنيسة المخلفات القديمة، وجئ بعشرات الأنواع والألوان من الرخام من مختلف الأقطار وصبت في النقوش والزينات مقادير هائلة من الذهب، والفضة، والعاج، والأحجار الكريمة. واشترك جستنيان نفسه اشتراكاً عملياً في تخطيط البناء وإقامته، وكان له نصيب غير قليل (كما يقول المؤرخ المداهن الساخر) في حل ما يعترض العمل من المشاكل الفنية.
فكان يتردد عليه في كل يوم وعليه ثياب بيض، وفي يده عصا طويلة، وعلى رأسه منديل، يشجع العمال ويحثهم على العمل ويتموه في موعده المقرر. وتم بناء الصرح العظيم في خمس سنين وعشرة أشهر؛ وفي اليوم السادس والعشرين من شهر ديسمبر من عام 537 أقبل الإمبراطور والبطريق ميناس يتقدمان موكباً مهيباً لافتتاح الكنيسة المتلألئة الفخمة. وسار جستنيان بمفرده إلى المنبر ورفع يديه إلى السماء ونادى قائلاً: "المجد لله الذي رآني خليقاً بأن أتم هذا العمل! الجليل! أي سليمان! لقد انتصرت عليك!". 
وقد خط البناء على شكل صليب يوناني طوله 250 قدماً وعرضه 225، وغطى كل طرف من أطرافه بقبة صغرى، وقامت القبة الوسطى على المربع (البالغ 100 قدم × 100) والمكون من الضلعين المتقاطعين، وكانت ذروة القبة تعلو عن الأرض مائة قدم وثمانين قدماً. وقطرها مائة قدم -أي أقل من قطر قبة البنثيون في روما باثنتين وثلاثين قدماً. وكانت هذه القبة الثانية قد صبت من الأسمنت المسلح قطعة واحدة مصمتة، أما قبة أياصوفيا فقد بنيت من الآجر في ثلاثين سطحاً تلتقي كلها في نقطة واحدة- وهو طراز أضعف من الطراز الأول .
وليست ميزة هذه القبة في حجمها بل في دعائمها: فهي لا تقوم على بناء دائري كما تقوم قبة البنثيون بل على أربطة من أعلاها، وعلى عقود بين حافاتها المستديرة وقاعدتها المربعة. ولم تحلّ هذه المشكلة المعمارية قبل ذلك الوقت حلاً أكثر توفيقاً من هذا. وقد وصف بروكبيوس القبة بأنها "عمل مجيد يبعث الروعة في النفوس... وهي لا تبدو قائمة على ما تحتها من البناء بل تبدو كأنها معلقة بسلسة من الذهب في أبراج السماء". 
وأما من الداخل فكانت الكنيسة صورة رائعة من الزخرف البراق. فقد كانت أرضها وجدرانها من المرمر المتعدد الألوان: أبيض، وأخضر، وأحمر، وأصفر، وأرجواني، وذهبي. وأقيم منه كذلك طابقان من العميد يخيل إلى إليها أنها حديقة من الأزهار. وكانت تيجان العمد، والعقود وما بينهما، والأفاريز، والطنف مغطاة بنقوش على الحجارة مكونة من أوراق الأكنثوس والكرم. وكان يطل من الجدران والقباب فسيفساء لا مثيل لها في روعتها وسعتها. وكانت تضيئها أربعون ماثلة من الفضة معلقة من حافة القبة تضاف إلى ما فيها من النوافذ الكثيرة.
وإن ما يحس به الناظر إلى هذه الكنيسة من سعة تبعثها في نفسه أجنحتها الطويلة، وبنائها الرئيسي، والفضاء الخالي من العمد تحت القبة الوسطى، وما في حظارها الفضي المواجه للقباء من زخارف معدنية، والحظار المعدني الجميل الذي في الإيوان الأعلى، والمنبر المرصع بالعاج والفضة والحجارة الكريمة، وعرش البطريق المصنوع من الفضة المصمتة، والسجف المنسوجة من خيوط الحرير والفضة، والتي ترتفع فوق المذبح وعليها صورتا الإمبراطور والإمبراطورة تتلقيان بركات المسيح ومريم؛ والمذبح الذهبي اللون المصنوع من الرخام النادر الوجود وعليه الأواني المقدسة من الفضة والذهب -وهو بعض ما في الكنيسة من زخرف وزينة- ليجل عن الوصف، ولو أن جستنيان قد تباهى به أباطرة المغول من بعده، وهو أنهم كانوا يبنون كما يبني الجبابرة، ويزينون مبانيهم كما يزينها الصباغ، لكان على حق في مباهاته. 
وكانت أياصوفيا بداية الطراز المعماري البيزنطي وخاتمته في آن واحد. وكان الناس في كل مكان يسمونها "الكنيسة الكبرى" وحتى بروكبيوس المتشكك نفسه تحدّث عنها حديث الرجل المرتاع فقال: "إذا دخل الإنسان هذه الكنيسة للصلاة، أحس بأنها ليست من أعمال القوى البشرية... ذلك أن الروح ترقى إلى السماء تدرك أن الله هنا قريب منها؛ وأنه يبتهج بهذا اليوم، بيته المختار" . 
من القسطنطينية إلى رافنا 
كانت أياصوفيا أجلّ ما قام به جستنيان من الأعمال، وكانت أبقى على الدهر من فتوحه أو قوانينه، ولكن بروكبيوس يصف أربعاً وعشرين كنيسة أخرى بناها جستنيان أو أعاد بناءها في عاصمة ملكه. ويقول:
 "لو رأيت كنيسة منها بمفردها لحسبت أن الإمبراطور لم يبْن كنيسة سواها بل قضى سني حكمه جميعها في بنائها وحده".
وظلت حمى البناء منتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية طوال حياة جستنيان، حتى كان القرن السادس وهو بداية العصور المظلمة في الغرب من أكثر العصور ازدهاراً في تاريخ العمارة في الشرق. فكانت ألف كنيسة في إفسوس، وإنطاكية، وغزة، وبيت المقدس، والإسكندرية، وسلانيك، ورافنا، ورمة، واللاد الممتدة من كرش في بلاد القرم إلى الصفاقس في شمالي أفريقية، تحتفل بانتصار المسيحية على الوثنية، وبالطراز الشرقي-البيزنطي على الطراز اليوناني-الروماني. وحلّت العقود والقباب محل الأعمدة الخارجية، والعوارض، والقواصر، والطنف. 
وازدهرت في سوريا نهضة حقه في القرن الرابع، والخامس، والسادس؛ فكانت مدارسها القائمة في إنطاكية، وبيروت، ونصيبين، تخرج العدد الجم من الخطباء، والمحامين، والمؤرخين، والخارجين على الدين. وبرع صنّاعها في أعمال الفسيفساء، والنسيج، وجميع الفنون الزخرفية، وشاد مهندسوها مائة كنيسة زينها مثّالوها بما لا حصر له من النقوش البارزة. 
وكانت الإسكندرية المدينة الوحيدة في الإمبراطورية التي كان ازدهارها متصلاً لم ينقطع أبداً. ذلك أن مؤسسها قد اختار لها مكاناً يكاد يرغم عالم البحر المتوسط على استعمال مرافئها وزيادة تجارتها. ولم تبق الأيام على شيء مما أقيم فيها من عمائر في تاريخها القديم أو في أوائل العصور الوسطى، ولكن ما بقى من أعمالها في المعادن، والعاج، والخشب، والتصوير، متفرقاً في أماكن مختلفة يوحي بأن أهلها قد بزوا غيرهم في الشهوانية، والحمية الدينية. وكان الطراز الشرقي في عهد جستنيان هو الطراز الغالب في فن العمارة القبطي الذي بدأ بالباسلقا الرومانية. 
وبدأ مجد رافنا المعماري بعد أن اتخذها هونريوس عاصمة الإمبراطورية الغربية في عام 404 بزمن قليل. وعم الرخاء المدينة في الفترة الطويلة التي كانت فيها جلا بلاسيديا Galla Placidia نائبة عن الإمبراطور، وكانت صلتها الوثيقة بالقسطنطينية سبباً في قدوم الصنّاع الشرقيين، واختلاطهم بالمهندسين الإيطاليين وفي دخول الأنماط الشرقية وامتزاجها بالأشكال الإيطالية. وظهر فيها الطراز الهندسي الشرقي المؤلف من قبة مقامة على قاعدة ذات شكل صليبي منذ عام 450 في الضريح الذي لقيت فيه بلاسيديا ربها؛ ولا يزال في وسعنا أن نرى فيه النقش الفسيفسائي الذائع الصيت الذي يمثل المسيح في صورة الراعي الصالح.
وفي عام 458 أضاف الأسقف نيون Neon إلى مكان التعميد المقبب في باسلقا أرسيانا Basilica Ursiana سلسلة من قطع الفسيفساء من بينها صورة مفردة للرسل. وساد ثيودريك حوالي عام 500 كنيسة كبرى سماها باسم القديس ابلينارس الذي يقال إنه مؤسس العشيرة المسيحية في رافنا. وهنا يظهر على الفسيفساء التي طبقت شهرتها آفاق العالم للقديسون ذوو الثياب البيض في وقارهم الشديد الذي ينبئ ببداية الطراز البيزنطي. 
وكان استيلاء بليساريوس على ارفنا من الأسباب التي عجلت بانتصار الفن البيزنطي في إيطاليا. وسرعان ما تمت كنيسة سان فينالي (San Vitale  547) في عهد جستنيان وثيودورا، اللذين وهباها المال اللازم لتزيينها، كما وهباها أيضاً وجهيهما غير الجذابين لينقشا على جدرانها. وما من شك في أن الإمبراطور قد أوتي حظاً كبيراً من الشجاعة إذ أجازا أن تنقل صورتهما إلى الخلف.
ومواقف أولئك الحكام، والقساوسة، والخصيان تنبئ كلها عن صلابة وحدة في الطباع، وفي مظهرهما الأمامي الجامد ليعد انقلاباً في الصور التي كنا نشهدها قبل عصور اليونان والرومان الأقدمين. وأثواب النساء كثيرة الزركشة تعلن انتصار نقوش الفسيفساء، ولكننا لا نجد هنا رشاقة مواكب البارثنون للمرحة والسعادة، أو نصب السلام لأغسطس أو ما نشاهده في الصور المنقوشة على أبواب شارترز وريمز من نبل ورقة. 
وبعد عامين من افتتاح كنيسة سان فيتال افتتح أسقف رافنا كنيسة سانت ابلناري في كلاس Class وهي ثاني كنيسة أقيمت لهذا القديس راعي المدينة؛ وكان موضعها في ضاحيتها التي على شاطئ البحر، والتي كانت في وقت ما قاعدة الأسطول الروماني على البحر الأدرياوي. ونشاهد فيها التصميم الباسلقي الروماني القديم، ولكن تيجان الأعمدة المختلطة الأشكال تظهر عليها مسحة بيزنطية تنم عنها أوراق الأقنتا الملفوفة الملتوية على خلاف ما كان يظهر في الأنماط اليونانية والرومانية القديمة، كأنما هبت عليها ريح شرقية. وإن ما في هذه الكنيسة من صفوف الأعمدة الكاملة الطويلة، وفي حليات العقود والمثلثات المحصورة بينها من فسيفساء زاهية (من القرن السابع)، وما في موضع المرنمين من لوحات جميلة من المصيص، وما في الصليب القائم في القبا من الجواهر مرصعة بها أرضية من النجوم في الفسيفساء، إن في هذا كله ما يجعل هذه الكنيسة من أشهر كنائس شبه الجزيرة التي تكون كلها معرضاً عظيماً الفنون الجميلة. 
الفنون البيزنطية 
لقد كان فن العمارة أروع ما خلفه الفنان البيزنطي، ولكنه كان في ثناياه أو من حوله فنون أخرى كثيرة نبغ فيها نبوغاً خليقاً بالتنويه. نعم إنه لم يكن يعنى بالنحت المجسم، وأن مزاج العصر كان يفضل الألوان على الخطوط، ولكن بروكبيوس يثني على المثالين في ذلك العصر، وأكبر الظن أنه يعني بهم أصحاب النقش البارز، ويقول إنهم لا يقولون مهارة عن فدياس وبركستليز، وإنا لنجد على بعض التوابيت الحجرية المصنوعة في القرن الرابع والخامس والسادس صوراً آدمية منحوتة تكاد تضارع الرشاقة الهلينية، مختلطة بها كثير من نقوش الزينة الآسيوية. 
وكان النقش على العاج من الفنون المحببة إلى البيزنطيين، وكانوا يصنعون منه ألواحاً ذات طيتين أو ثلاث طيات، ويجلدون به الكتب، ويصنعون منه العلب، وصناديق العطور، والتماثيل الصغيرة، ويطعمون به التحف ويزينون به ما لا يحصى من الأشياء. وقد بقيت الفنون الهلنستية في هذه الصناعة لم يمسها سوء، وكل ما حدث فيها أنها استبدلت المسيح والقديسين بالآلهة والأبطال. وإن الكرسي العاجي الذي كان يجلس عليه الأسقف مكسميان في الباسلقا أرسيا Basilica Ursiana (حوالي 550) ليعد تحفة عظيمة في فن من الفنون الصغرى. 
وبينا كان الشرق يجري التجارب على الرسم بألوان الزيت ، كان التصوير البيزنطي لا يزال مستمسكاً بالأساليب اليونانية التقليدية كتثبيت ألوان الرسوم بالحرارة -بحرق الألوان في سطوح الخشب، والخيش ونسيج التل؛ وكالمظلمات يصنعونها بخلط الألوان بالجير ووضعها على سطوح من الجبس المبلل، ومزج اللون بمحلول الماء والصمغ أو الغراء وبزلال البيض ثم وضعها على المربعات الخشبية أو على الجبس بعد أن يجف.
وقد عرف الرسام البيزنطي كيف يمثل البعد والعمق، ولكنه كان يهرب عادة من صعاب النظور بأن يملأ خلفية الصورة بالمباني والسجف. وقد أخرج عدداً كبيراً من اللوحات المصورة، ولكنها لم يبق منها إلا القليل. وكانت جدران الكنائس تزدان بالرسوم، وتدل القطع الباقية منها على الواقعية غير المتقنة كالأيدي العديمة الشكل، والأجسام الصغيرة، والوجوه الشاحبة. والشعر المصفف تصفيفاً غير معقول. 
وقد برع الفنان البيزنطي في الأشياء الدقيقة وأظهر فيها مرحه وظرفه. وليست روائع التصوير الباقية إلى هذا اليوم من أعماله هي رسوم الجدران أو اللوحات الكثيرة، بل هي الرسوم الصغرى ذات الألوان البراقة التي كان يزين بها ما ينشر من الكتب في عصره. ذلك أن الكتب كانت كثيرة النفقات في ذلك العصر، ولهذا كانت تحلى كما تحلى غيرها من الأشياء النفيسة.
وكان الفنان يبدأ عمله هذا برسم ما يريده من الحليات على البردي أو الرق أو الجلد بفرشاة دقيقة أو قلم، ثم يضع أرضية تكون عادة ذات لون ذهبي أو أزرق، ثم يضع ما يريده من الألوان، ثم يزين الأرضية والحواشي بأشكال رشيقة دقيقة. وكان في بادئ الأمر يقتصر على تحسين الحرف الأول من كل فصل أو صفحة؛ وكان يحاول في بعض الأحيان أن يرسم صورة للمؤلف، ثم انتقل بعدئذ إلى توضيح النصوص بالصور؛ فلما تقدم فنه آخر الأمر كاد ينسى النص ويملأ الكتاب بالزخارف ويبينها على أساس هندسي أو رمزي ديني يكرر بأشكال مختلفة بخطئها الحصر، حتى تصبح الصفحة كلها وكأنها صورة واحدة بديعة من الألوان والخطوط كأن النص دخيل عليها من عالم أكثر منها خشونة. 
وكانت زخرفة المخطوطات مألوفة في مصر أيام الفراعنة والبطالمة، ثم انتقلت منها إلى بلاد اليونان الهلنستية وروما. وتحتفظ الفاتيكان بإلياذة، والمكتبة الأمبروزية في ميلان بإلياذة؛ تعزى كلتاهما إلى القرن الرابع؛ وهما مزدانتان زينة يونانية ورومانية قديمة، ويبدو الانتقال من الزخرفة الوثنية إلى المسيحية واضحاً في الطبوغرافية المسيحية لصاحبها كزماس انديكبلوستيز Cosmas Indicoplenstes (حوالي 547).
وقد نال لقبه هذا "إنديكلبوستير" لأنه سافر إلى الهند بحراً، كما نال شهرته لأنه حاول أن يثبت أن الأرض مستوية. وأقدم كتاب ديني مزخرف باق إلى هذا اليوم هو سفر التكوين المكتوب في القرن الخامس والمحفوظ الآن في مكتبة فينا. والنص مكتوب بحروف من الفضة والذهب على أربع وعشرين "ورقة" من الجلد الأرجواني الرقيق. ويحتوي على أربعة وعشرين زخرفاً بيضاء وخضراء، وبنفسجية، وحمراء، وسوداء، تصور قصة الإنسان من سقوط آدم حتى موت يعقوب. ولا يقل عنه جمالاً الملف الصغير لكتاب يوشع المحفوظ في الفاتيكان وكتاب الأناجيل الذي زخرفه الراهب رابولا Rabula في أرض الجزيرة في عام 586.
 ومن أرض الجزيرة وسوريا جاءت الصور والرموز التي كانت لها الغلبة في الكتابة التصويرية التي ذاعت في العالم البيزنطي. وقد تكررت هذه الكتابة في الفنون الصغرى واتخذت لها ألف شكل وشكل حتى ثبتت وأصبحت تقليداّ وعرفاً متبعاً، وكان لها نصيب موفور في جمود الفن البيزنطي. 
وإذا كان المصور البيزنطي مولعاً بالتصوير البراق الدائم فقد اتخذ الفسيفساء وسيلته إلى هذين الفرضين. ومن أجل هذا اختار الأرض حجراته مربعات من الرخام الملون كما يفعل المصريون واليونان والرومان من قبله أما السطوح الأخرى فكان يستخدم فيها مكعبات من الزجاج أو الميناء من جميع الألوان ومختلف الحجوم، ولكن سطحها في العادة كان يبلغ 1/8 بوصة مربعة.
.وكانت الحجارة الثمينة تختلط أحياناً بالمكعبات، وكثيراً ما كانت الفسيفساء تستخدم في صنع الصور الصغيرة والنصمات التي توضع في الكنائس أو البيوت. أو تحمل في الأسفار عوناً لأصحابها على الزمن ودليلاً على التقي والخشوع. غير أن صانع الفسيفساء كان يفضل على هذه الصور الصغرى مجالاً أوسع هو جدران الكنائس والقصور. فكان في مرسمه يجرب وضع المكعبات على قطعة من الخيش عليها رسم ملون. وهنا كان يجهد عبقريته الفنية ليضع تحت يده الألوان المدرجة الذائبة بعضها في بعض كما يجب أن يراها الناظر من بعيد. وفي هذه الأثناء كانت طبقة من الأسمنت الغليظ، ثم طبقة أخرى من الأسمنت الرقيق توضعان على السطح المراد تغطيته. ثم يأتي صانع الفسيفساء ويضغط مكعباته في هذا القالب على غرار النموذج الذي وضعه لنفسه فوق الخيش، وقد جرت عادته على أن يضع حافاتها المقطوعة إلى الأمام لكي يقع عليها الضوء. وكان يفضل السطوح المنحنية كسطوح القباب، وأنصاف القباب الشبيهة بالأصداف لأنها تمتص في أوقات مختلفة بزواياها المختلفة أنواعاً عدة من الأضواء المطلة. ومن هذا الفن الشاق الذي يتطلب المهارة والجلد ألهم الفن القوطي في مستقبل الأيام غير قليل من فن تلوين الزجاج. 
وقد ورد ذكر هذا الزجاج الملون في النصوص الباقية من لقرن الخامس ولكن شيئاً منه لم يبق حتى الآن، ويبدو أن صبغته كانت من خارجه لم تمزج فيه مزجاً(41). وكان صنع الزجاج بالنفخ وتقطيعه قد مضى عليهما الآن ألف عام وكانت سوريا، أقدم مواطن الصناعيين، لا تزال مركزاً من مراكزهما.
وكان فن الحفر على المعادن الثمينة والحجارة الكريمة قد انحط بعد أيام أورليوس؛ ولهذا نرى الجواهر، والنقود، والأختام البيزنطية غير دقيقة الشكل والصناعة. لكن الصناع مع هذا كانوا يبيعون منتجاتهم لكل طبقة من الطبقات تقريباً، لأن البيزنطيين كانوا مولعين أشد الولع بالحلي. وكانت محال صنع التحف الذهبية والفضية كثيرة العدد في العاصمة؛ كما كانت الحقائق والأقداح، وعلب المخلفات المصنوعة كلها من الذهب تزدان بها كثير من مذابح الكنائس؛ وكانت الصاف الفضية تغطي موائد ذوي اليسار. 
وكان في كل بيت، بل يكاد يكون لدى كل شخص، شيء من النسيج الرقيق
وكانت لمصر الزعامة في هذا الميدان بما كان فيها من منسوجات رقيقة، متعددة الألوان، مزدانة بالصور، تصنع منها الثياب، والستر، وأغطية الفراش، وكان قبط مصر سادة هذه الميادين. وتكاد بعض الأقمشة المصرية التي كانت تزدان بها الجدران في تلك الأيام تضارع من الناحية الفنية أقمشة الجوبلين Goblins كان النساجون البيزنطيون ينسجون الحرير المطرز، والثياب المطرزة، بل والأكفان المطرزة أيضاً -فقد كانت المنسوجات التيلية تصور عليها بالفعل ملامح الموتى. وكان الناس في القسطنطينية يعرفون ما يلبسون من الثياب، ذلك أن كل طبقة من أهلها كانت تعتز بنوع خاص من الثياب يميزها من غيرها وتدافع عنه أقوى دفاع، وما من شك في أن أية جماعة بيزنطية كانت تبدو برَّاقة كذيل الطاووس. 
وكانت الموسيقى محببة لجميع الطبقات منتشرة بينها، وكان ذا شأن متزايد في طقوس الكنيسة، وقد أعانت على مزج العاطفة بالعقيدة. وقد كتب ألبيوس Alypius في القرن الرابع مقدمة موسيقية بقيت منها حتى الآن أجزاء هي أهم ما نسترشد به في قراءة العلامات الموسيقية اليونانية. وقد استبدلت في ذلك القرن بالحروف الهجائية التي كانت بها الأنغام علامات رمزية؛ ويبدو أن أمبروز هو الذي جاء بهذه العلامات إلى ميلان، وأن هيلاري Hilary هو الذي أدخلها في غالة، وجيروم في روما.
وألف رومانس Romanus، الراهب اليوناني في أواخر القرن الخامس ألفاظ الترانيم التي لا تزال حتى الآن جزءاً من الطقوس الدينية اليونانية ولحنها؛ وليس ثمة ما يضارع هذه الترانيم في عمق الشعور وقوة التعبير. وكتب بؤيتيوس مقالاً في الموسيقى لخص فيه نظريات فيثاغورس وارستكسنوس Aristoxenus وبطليموس. وقد ظلت هذه الرسالة تدرس في جامعتي أكسفورد، وكمبردج يوم كنا نحن طلاباً. 
وبعد، فإن من واجب الإنسان أن يكون شرقياً إذا شاء أن يفهم الفن الشرقي على حقيقته. 
وإن المعنى الجوهري الذي يدركه العقل الغربي من النزعة البيزنطية هو أن الشرق قد سرى في قلوب اليونان وتغلغل في أفئدتهم  في الحكومة الأتوقراطية، وفي الطبقات المتدرجة الثابتة، وفي ركود العلم والفلسفة، وفي الكنيسة الخاضعة لسلطان الدولة، والشعب الخاضع لسلطان الدين، وفي الثياب الفخمة والحفلات العظيمة، والطقوس الدينية ذات الألفاظ الطنانة الرنانة والمناظر الرائعة، والنغمات الموسيقية الساحرة المتكررة التي تستحوذ على نفوس؛ وتغمر الحواس بفيض من الألوان البراقة؛ وأخضع الطبيعة للخيال، والفن التمثيلي للفن الزخرفي.
ولقد كان من شأن الروح اليوناني القديم أن يجد هذا كله غريباً عنه لا يطيقه، ولكن بلاد اليونان نفسها وقتئذ جزءاً من الشرق. وغلبت على العالم اليوناني كلالة أسيوية فيه في الوقت الذي كانت بلاد الفرس المتجددة الحيوية، وكانت قوة الإسلام العظيمة التي لا يكاد العقل يدرك مداها، نقول في الوقت الذي كانت هذه وتلك تنازعانها حياتها نفسها. 


المصدر ول ديورانت; قصة الحضارة 
ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود

www.civilizationstory.com/

التأمّل في أيقونة أحداث القيامة


تسمّى هذه الأيقونة: ظهور يسوع لمريم المجدليّة. لكنّها لا تصوّر هذا الحدث وحده، بل كثيرًا من أحداث القيامة. لكنّها سُمّيَت بهذا الاسم لأنّها تلحّ على حادثة ظهور يسوع لمريم المجدليّة، فتصوّره في عدّة مشاهد.
هذه الأيقونة تنتمي إلى النمط الروائيّ، حيث نجد الحدث وما حول الحدث، وربّما نجد الحدث مكرّرًا، كتصوير ظهور يسوع لمريم المجدليّة مرّتين، من أجل اكتمال الرواية. في الأعلى على اليسار تظهر الجلجلة، ثلاثة صلبانٍ فارغة، والسلّم يشير إلى تنزيل الأجساد عن الصليب. إنّه موضوع على صليب المسيح لأنّه آخر مَن أنزِلَ. فبعد أن كسر الجنود سوق اللصّين الّذَين صُلِبا مع يسوع، أتوا إليه فوجدوه قد مات، فطعنه جنديّ بالحربة.
في الأعلى بالوسط تظهر أورشليم. مبنى ضخم هو الهيكل وطبقاته. إذا توجّهنا قليلاً نحو اليمين نجد مدينة بيت عنيا، حيث أقام يسوع لعازر من بين الأموات. بين أورشليم وبيت عنيا جبل فيه مغارة. إنّه قبر المسيح، ويظهر يوحنّا وقد وصل إلى القبر ورأى الحجر مدحرجًا، يلحقه بطرس الذي سيدخل إلى القبر ويرى مع يوحنّا الأكفان.
يظهر ملاك يجلس على القبر المفتوح، وثلاث نسوة يحملن الطيب وخائفات، والملاك يخاطبهنّ بالعبارة المكتوبة إلى جانب رأسه: «لمَ تبحثن عن الحيّ بين الأموات؟ إنّه ليس هنا، لقد قام».
في وسط الأيقونة تقريبًا، تحت الجلجلة، ملاكان قائمان عند القبر. واحد يشير بيده إلى الأكفان والثاني يخاطب مريم بهذه العبارة المكتوبة عند رأسه: «لماذا تبكين أيّتها المرأة؟»، وتجيب مريم (بعبارةٍ مكتوبة عند رأسها): «أخذوا ربّي ولا أدري أين وضعوه».
تحت هذا المشهد، إلى أقصى اليسار، يظهر يسوع لأمّه مريم ولمريم المجدليّة. لا شكّ في أنّ الأناجيل لا تخبرنا بأنّ يسوع ظهر لأمّه، لكنّ تقليدًا قديمًا يعود إلى زمن الرسل يروي ظهور يسوع لأمّه مريم، بل ويقول إنّ يسوع ظهر لأمّه قبل أن يظهر لأيٍّ كان. 
وبناءً على هذا التقليد درجت الإيقونوغرافيا البيزنطيّة في أيقوناتٍ عدّة تتناول موضوع ظهور يسوع لمريم المجدليّة أن تضع معها مريم العذراء. نتعرّف إلى مريم العذراء من وشاحها الّذي اعتدنا أن نراها تلبسه في أيقوناتها، بالإضافة إلى النجوم الثلاثة التي تظهر الوشاح عند الرأس وعلى الكتفين. أمّا مريم المجدليّة فتظهر مكشوفة الرأس. المرأتان تسجدان، المجدليّة إلى الأرض احترامًا، والعذراء تنهض بعض الشيء لتنال بركة ابنها وتمتّع عينيها برؤيته بعد كلّ ما عانته في يوم الجمعة العظيمة. وحركة يداها تدلاّن على الشوق والحبّ.
المشهد الأماميّ والرئيس في الأيقونة: مريم المجدليّة ويسوع المسيح. يظهر المسيح بثوبٍ مذهّب. إنّه في مجده، وتظهر على يديه آثار المسامير، والثوب يكشف عن جنبه المطعون. وتصوّر مريم المجدليّة تهمّ بالإمساك بيسوع بعد أن عرفته، وأمام وجهها الحوار مع يسوع. الكلام باللون الأحمر هو كلامها: «سيّدي، إذا كنتَ أنتَ قد ذهبتَ به فقل لي أين وضعته، وأنا آخذه». والكلام باللون الأسود هو كلام يسوع: «لا تمسكيني، إنّي لم أصعد بعدُ إلى أبي». 
أمّا القارورة التي بين المجدليّة والمسيح فهي قارورة الطيب التي جلبتها لتضعها على جثمانه الميت.
هذه الأيقونة تنتمي إلى النمط الروائيّ، حيث نجد الحدث وما حول الحدث، وربّما نجد الحدث مكرّرًا، كتصوير ظهور يسوع لمريم المجدليّة مرّتين، من أجل اكتمال الرواية.



الأب سامي حلّاق اليسوعيّ
jespro.org

ايقونة انطونيوس الكبير

تنتمي هذه الأيقونة إلى فئة الأيقونات التعظيميّة. فهي تصوّر القدّيس في الوسط، وتروي في مربّعاتٍ على الأطراف بعض ملاحم حياته. فالقدّيس أنطونيوس مصريّ، ولِدَ في أسرةٍ غنيّة في السنة 251، وعاش في منطقة الفيّوم، توفّي والداه وهو في الثامنة عشرة من عمره، وتركا له ثروة وافرة وأختًا ليرعاها. بعد ستّة أشهر دخل الكنيسة، فسمع عبارة يسوع للشابّ الغنيّ: «إذا أردتَ أن تكون كاملاً، اذهب وبع مالك ووزّعه على الفقراء، وتعال اتبعني» (متى 19: 21).  فشعر بأنّ الكلام موجّه إليه، فذهب وباع أراضيه، وأعطى أخته مالاً وفيرًا يؤمّن لها مستقبلها، وأودعها في ديرٍ للعذارى، ووزّع باقي ماله على الفقراء، وذهب وتنسّك في الصحراء، وظلّ هناك حتّى آخر أيّام حياته.القدّيس أنطونيوس في الوسط
في وسط الأيقونة، يظهر القدّيس أنطونيوس بهيئة شيخ نهش الزهد جلده، ولكنّه لم ينهش سلامه الداخليّ. يعتمر قلنسوة الرهبان، وعليها صليب، ويضع معطفًا أرجوانيًّا يظهر تحته ثوب أبيض بسيط مشدود بحبل الزهد، ويمسك عكّازًا بشكل حرف T هي عكّاز الشيوخ المعلّمين.
السطر الأعلى
من اليسار إلى اليمين، في المربّع الأوّل، يظهر القدّيس أنطونيوس يوزّع ماله على الفقراء. وهو يظهر هنا بثيابٍ فاخرة، وذلك قبل لبسه المسوح وتوجّهه التدريجيّ إلى البرّيّة، والفقراء والأرامل يأتونه لينالوا منه الحسنات.
في المربّع الثاني، يظهر القدّيس أنطونيوس مستلقيًا في قبرٍ، والشياطين تعذّبه. فبعد هجره الدنيا، وجد القدّيس قبرًا مهجورًا فأقام فيه. كانت القبور مغاور في الجبال. لكنّ الرسّام اليونانيّ رسم القبر هنا شبيهًا بقبور بلاده الحجريّة، التي نراها في آثارنا الرومانيّة وفي أيقونات دفن المسيح. تظهر الشياطين وهي تضربه، إشارةً إلى طبيعة التجارب التي تعرّض لها وهي تجارب الجسد، سواء الجوع والعطش، أو الشهوة الجنسيّة.
في المربّع الثالث، القدّيس أنطونيوس يواجه اضطهاد الشرّير واضطهاد المسيحيّين في الإسكندريّة. ففي عهد مكسيميليانس دايا، عانى المسيحيّون في هذه المدينة اضطهادًا شديدًا. فترك أنطونيوس الصحراء، وذهب إلى هناك ليشدّد جماعته ويثبّتهم في إيمانهم. كما ذهب أنطونيوس مرّةً أخرى إلى الإسكندريّة لدحض بدعة آريس، التي تعتبر المسيح إلهًا من الدرجة الثانية، وليس كلمة الله الأزليّة. لذلك نجد في هذا المربّع الشيطان يوجّه سهامه نحو القدّيس، وكذلك الفرسان، ووراءهم مجموعة غير مسلّحة، هي مجموعة الهراطقة، تنظر إليه.
العمود الأيمن
في المربّع الأوّل، الشيطان يجرّب أنطونيوس بالثروة. حين هزم أنطونيوس غريمه الشرّير مرّاتٍ عدّة، قرّر أن ينتقل من الدفاع إلى الهجوم. وإذ قرأ أنّ الشيطان جرّب يسوع المسيح، رأى أنّ الشيطان يقيم في الصحراء والأراضي المقفرة. فعزم على الذهاب إلى الصحراء ليقهر الشيطان في عقر داره بالصلاة والصوم. وفي الطريق، وضع الشيطان له قرصًا من الفضّة، فلم يبالِ القدّيس به. ووضع له قرضًا من ذهب، فلم يبالِ أيضًا بالذهب.
في المربّع الثاني، يظهر شخص نصفه غزال يدعو القدّيس أنطونيوس لزيارة القدّيس بولس (بولا) أوّل المتوحّدين. في البداية ظنّ القدّيس أنطونيوس أنّها خدعة من الشيطان. ولكنّ إلهامًا من السماء جعله يفهم أنّ هناك شخص توحّد قبله، ويجب أن يتعرّف أنطونيوس إليه ليدوّن سيرته. كان بولا معتكفًا في الطرف الآخر من سلسلة جبال البحر الأحمر، وغراب يحضر له في كلّ يومٍ رغيف خبزٍ يقتات به.
العمود الأيسر
في المربّع الأوّل، الأبالسة تعيق أنطونيوس في صلاته. كان القدّيس أنطونيوس يقضي الليل في الصلاة. وحين يهمّ بالنوم ليريح جسده قليلاً، كانت الشياطين تصدر أصواتًا لتمنع عنه النوم، وتدعوه إلى الصلاة بدل النوم، كي يُرهق جسده، ويسقط فريسة الهلوسة والوساوس.
في المربّع الثاني، أنطونيوس يعظ تلاميذه ويكوّنهم. فقد شاع خبر تنسّك القدّيس أنطونيوس، وفاح عطر قداسته، فأمّه شبّان كثيرون أرادوا أن يقتدوا به، ويعيشوا عيشة الزهد مثله. فصار يجتمع بهم ويعظهم، ثمّ ينصرف كلّ واحدٍ منهم إلى منسكته للعمل والصلاة.
السطر الأسفل
من اليسار، القدّيس أنطونيوس يدفن الناسك بولا. فبعد زيارته لهذا الناسك وسماع سيرة حياته، أخبره بولا بأنّه يشعر بإلهامٍ داخليٍّ يقول له إنّه سيلاقي ربّه قريبًا. وعاد أنطونيوس إلى منسكته، وأحضر أكفانًا، لأنّ بولا كان يلبس لحاء شجر النخيل. وحين وصل وجده ميتًا. وحيث إنّ أنطونيوس كان شيخًا لا يقوى على حفر القبر، أرسل الله إليه أسدَين حفرا القبر بمخالبهما، فصلّى عليه ودفنه.
في الوسط، القدّيس أنطونيوس يعطي توصياته الأخيرة لتلاميذه قبل وفاته. شعر القدّيس أنطونيوس باقتراب نهاية رحلته على هذه الأرض، فجمع تلاميذه وأوصاهم قال: «إجتهدوا كي تتّحدوا بالله أوّلاً، ثمّ بقدّيسيه، فيستقبلونكم بعد موتكم كأصدقاء معروفين في الأخدار السماويّة».
على اليمين، التلاميذ يدفنون القدّيس أنطونيوس. فقد توفّي وعمره 105 سنوات قضى منها خمسًا وثمانين سنة في حياة الزهد والتنسّك.
«لقد ماثلتَ بسيرتكَ إيليّا الغيّور، وتبعتَ المعمدان في مناهجه القويمة، أيّها الأب أنطونيوس، فغمرتَ القفرَ وثبّتَّ المسكونة بصلواتك. فاشفع إلى المسيح الإله في خلاص نفوسنا».



الأب سامي حلّاق اليسوعيّ